فخر الدين الرازي

122

تفسير الرازي

على القول الأول وهو حمله على ظاهره فالجواب عنه من وجوه : الأول : أنه تعالى ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه ، بل جعل الوعيد إما الطمس أو اللعن فإنه قال : * ( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) * وقد فعل أحدهما وهو اللعن وهو قوله : * ( أو نلعنهم ) * وظاهره ليس هو المسخ . الثاني : قوله تعالى : * ( آمنوا ) * تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم ، فلزم أن يكون قوله : * ( من قبل أن نطمس وجوها ) * واقعا في الآخرة ، فصار التقدير : آمنوا من قبل أن يجئ وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت . الثالث : أنا قد بينا أن قوله : * ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب ) * خطاب مع جميع علمائهم ، فكان التهديد بهذا الطمس مشروطا بأن لا يأتي أحد منهم بالايمان ، وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن عبد الله بن سلام وجمع كثير من أصحابه ، ففات المشروط بفوات الشرط ، ويقال : لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم ، وقال : يا رسول الله كنت أرى أن لا أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي . الرابع : أنه تعالى لم يقل : من قبل أن نطمس وجوهكم ، بل قال : * ( من قبل أن نطمس وجوها ) * وعندنا أنه لا بد من طمس في اليهود أو مسخ قبل قيام الساعة ، ومما يدل على أن المراد ليس طمس وجوههم بأعيانهم ، بل طمس وجوه غيرهم من أبناء جنسهم قوله : * ( أو نلعنهم ) * فذكرهم على سبيل المغايبة ، ولو كان المراد أولئك المخاطبين لذكرهم على سبيل الخطاب ، وحمل الآية على طريقة الالتفات وإن كان جائزا إلا أن الأظهر ما ذكرناه . ثم قال تعالى : * ( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) * قال مقاتل وغيره : نمسخهم قردة كما فعلنا ذلك بأوائلهم . وقال أكثر المحققين : الأظهر حمل الآية على اللعن المتعارف ، ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير ) * ففصل تعالى ههنا بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : إلى من يرجع الضمير في قوله : * ( أو نلعنهم ) * . الجواب : إلى الوجوه إن أريد الوجهاء أو لأصحاب الوجوه ، لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم ، أو يرجع إلى الذين أوتوا على طريقة الالتفات . السؤال الثاني : قد كان اللعن والطمس حاصلين قبل الوعيد على الفعل فلا بد وأن يتحدا . والجواب : أن لعنه تعالى لهم من بعد هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في الخزي فيصح ذلك فيه . السؤال الثالث : قوله تعالى : * ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب ) * خطاب مشافهة ، وقوله : * ( أو نلعنهم ) * خطاب مغايبة ، فكيف يليق أحدهما بالآخر ؟